مرحبا بكم في روضة سعد بن ابي وقاص التجريبية لغات .
لم تشرفنا بالتسجيل في منتدانا برجاء التسجيل للإنضمام إلى اسرتنا الصغيرة لنصبح اسرة كبيرة بإنضمامك إلينا

أدب الطفل العربي بين الدراسة و الابداع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أدب الطفل العربي بين الدراسة و الابداع

مُساهمة من طرف samar في الثلاثاء 23 مارس 2010, 3:31 am

أدب الطفل العربي





بين الدراسة والابداع



· بقلم : د. نعيم عرايدي *



1 – مقدمة : مركز ادب الاطفال العربي والنقاش حول ادب الاطفال

لقد شرعت منذ فترة في كتابة دراسة محيطة حول ادب الاطفال ، كنت انوي نشرها في سلسلة مقالات منظمة ، ومن ثم كتاب خاص ، الا ان النقاش الذي اثير مؤخرا في صفحات " الاتحاد " الزمني على نشر هذه المقالة ، والتي تتناول ما جاء في المقالات المذكورة من تساؤلات بغية الرد عليها من جهة وبغية تنظيم الموضوع من جهة اخرى.

وقد يجيئ هذا الرد ليس فقط لاني أدرّس هذا الموضوع منذ سنوات عديدة ولاني مهتم باثارته جماهيريا واكاديميا بل ايضا لاني ادير مركز ادب الاطفال العربي في البلاد والذي يتساءل المعنيون حول نشاطاته. وقد ذكر جميع المتناقشين اهمية هذا المركز ومسؤوليته ودوره الحسّاس بأهمية أدب الاطفال والوقوف على ان حقيقة امر بناء المجتمع السليم والقويم يبدأ من الاهتمام بالطفل .

وحقيقة أن هذا النقاش يدل على ازدياد الوعي التربوي وانتشار التعليم في مجتمعنا العربي . وان ما اثارته هذه النقاشات من تساؤولات حول ماهية ادب الاطفال ومقومات ادب الاطفال هي بمثابة تكثيف جوهري واضافة ابعاد ضرورية لطرح الموضوع .

وقد بدأه الدكتور أحمد هيبي بقوله : " هذه هي بعض الاسئلة التي اثيرت في اللقاءات التي اجراها مركز ادب الاطفال العربي . . . باشتراك عدد من كتاب الاطفال ، والمهتمين بأدب الاطفال عموما ، عربا ويهود " .

( " الاتحاد " ، 21\1\1996 ) . ويضيف الدكتور هيبي " والتي وان كنت فيها اخالف معظم الأراء المطروحة الا انها خطرت لي من وحيها – وهذه هي اهمية اللقاءات : انها تدفعك الى التفكير في مسائل كانت تبدو لك بديهية قبل ذلك " .

اذن ان احد نشاطات مركز ادب الاطفال العربي هو عقد مثل هذه اللقاءات المثمرة والتي تدفعنا وتشجعنا على الاثارة ، الحوار ، والنقاشات البناءة .

وقد وجه السيد عفيف سالم ( " الاتحاد " ، 29\1 \96 ) نداء الى مركز ادب الاطفال العربي جاء فيه : " ان اصدارات المركز هي خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح . . .

ونظرا لهذا المعنى قلنا ما قلناه ، وحكمنا بم حكمنا وان كنا لا نعرف برنامج هذا المركز بتفاصيله وابعاده ... " .

ردا على نداء الاستاذ عفيف سالم نقول ان هذا المركز اقيم عام 1995 كمركز جماهيري شعبي تبنته ثلاث مؤسسات هي : الكلية العربية للتربية في حيفا . والمؤسسة الثانية هي كلية لفنسكي ، وفي الكلية فرع للمركز يخدم سكان وسط البلاد والجنوب . والمؤسسة الثالثة هي " الفنون للشعب " والتي تهتم من خلال نشاطاتها الادبية والفنية بنقل فعاليات المركز الى القرى والمدن البعيدة .

يعمل المركز على تشجيع الكتابة الابداعية المحلية في ادب الاطفال وقد اصدر هذا الشهر ثلاثة كتب للاطفال باصدار راق مرفق بالرسوم الرائعة . وسيصدر المركز كتبا اخرى خلال العام الحالي .

يعمل المركز على عقد لقاءات شهرية لادباء وشعراء الاطفال يناقش من خلالها المواضيع الملحة في هذا المجال ويعمل على بلورة هذا الاتجاه بشكل ممأسس ومنظم . كما يعمل المركز على اقامة ورشات لرسامين معروفين ينوون الرسم لكتب الاطفال دُعي الى الاشتراك فيها جميع المعنيين من خلال الصحف العربية .

واستجابة لدعوة الاستاذ عفيف سالم المباركة لعقد يوم دراسي احتفاء وتكريما للكاتب المرحوم عبد اللطيف ناصر ، بدأنا بالتحضير لهذه المناسبة ، ونحن ندعو بهذا جميع زملاء وذوي المرحوم الى الاتصال بنا للمشاركة في هذه المناسبة .



ثم جاءت مقالتان ، واحدة للاستاذ محمد بدارنة في جريدة "الاتحاد" ( 30\1\1996)

واخرى للكاتب الاردني فخري صالح في جريدة " الحياة " ( 29\1 1996 ) تناقشان مقومات ادب الاطفال العربي . ويجدر بنا مناقشتها وطرح منظورنا لمفهوم ادب الاطفال .





2- الكتابة للاطفال في المجتمع العربي



يبدأ الاستاذ فخري صالح مقالته المذكورة في جريدة " الحياة " بطرحه فرضية هي بمثابة موقف لم يسنده بأية حقائف مدروسة ، فيقول : " يبدو لي ان الكتابة للطفل في العالم العربي تمّر مثل الكتابة للكبار ، بأزمة حادة معقدة . ولان كان الكتاب ، او المجلة او الصحيفة الموجهة للكبار تعاني من مشكلات التمويل والارتقاء بالمستوى ومحاولة الحفاظ على رقعة التوزيع ، فان كتاب الطفل ومجلته وصحيفته تجعلنا في الحقيقة ننادي بضرورة التضامن في حملة انقاذ للطفل العربي المسكين الذي يتعرض عقله الغض لحملة شرسة من ناشرين تغلب على ماينشرونه من كتب الرغبة في الربح من دون اهتمام بشكل كتاب الطفل او بطبيعة المادة التي تتضمنها . . "

( " الحياة " ، لندن ، 22\1\96 ) .

هنالك عدة امور متداخلة في هذه المقالة كان لا بد من فرزها وتنظيمها باتجاهات مختلفة ، فالفرضية المسبقة في ربط ادب الصغار مع ادب الكبار فعلا يعاني ما يعانيه ادب الصغار . ولا ندري ان كانت مشكلة ادب الكبار او ادب الصغار تعاني فعلا من هذه الازمة المطروحة ، حيث يعتبر الادب اليوم ( للكبار ) شعرا ونثرا ادبا راقيا وعلى مستوى عالمي . ان ترجمته ونشره في العالم الغربي يمكّن من لفت الانتباه اليه ، الامر الذي لم يكن واردا قبل عدة سنوات .

اما المشكلة الأساسية لادب الاطفال التي اخذت تجد حلا لها في السنوات الاخيرة فهي ضرورة وجود ادب الاطفال ، الاهتمام به ، رعايته وتوصيله الى المستوى الكمي والنوعي الذي يليق به في المجتمعات المتحضرة ، والذي هو حق اساسي للاطفال العرب اسوة بالاطفال في العالم الغربي ذلك لان الاهتمام العربي بأدب الاطفال هو حديث العهد ، وهو ثمرة جهود مكثفة تأثرت بما يدور في هذا المجال في العالم الغربي .

صحيح ان ادب الاطفال هو ادب قديم حديث . حيث كانت الامهات والجدات يقصصن الاساطير والحكايا الشعبية للاطفال قبل النوم ، وصحيح ان الامهات والجدات كنّ يغنين التهاليل والقصائد الشعبية على اسرة اطفالهن . فكل ذلك جزء لا يتجزأ من عمل الكبار . ضف الى ذلك اتجاه هذا الادب ونوعه كأدب مسموع وليس كأدب مقروء .

اما الاهتمام النوعي بأدب الاطفال في الوسط العربي فقد بدأ في بداية القرن ولكن ليس بشكل مكثف او منظم او ممأسس ، بل هو ثمرة اجتهاد على مستوى الافراد والاشخاص . هكذا بدأ الاستاذ المعروف رفاعة الطهطاوي : " ان اول من قدم كتابا للاطفال العرب هو رفاعة الطهطاوي وذلك حينما رأى ان اطفال اوروبا ينعمون بقراءة انواع مختلفة من الكتب التي كتبت خصيصا لهم . فقام بترجمة كتاب انجليزي الى اللغة العربية ، وهو عن مجموعة من الحكايات ، وكان اسمه " عقلة الاصبع "

( مفتاح محمد ذياب ، مقدمة في ثقافة وادب الاطفال ، ص21 ) .

ويسرد الكاتب تاريخ الكتابة للاطفال في العالم العربي ، مرورا بالشاعر احمد شوقي وكامل كيلاني وعطية الابراشي وعادل غضبان ، ويؤكد دعمه لعدم اهتمام العالم في الطفل وادبه، ويقول : " ولكن بعض الطلائيعين في هذا المضمار لم يأبه بنظرة المجتمع الى الاطفال وادبهم ، تلك النظرة التي كانت – كما رأينا – نظرة استخفاف واستهانة ، بل استمر هذا البعض في العطاء والكتابة والاهتمام حتى وفاته ، مثل كامل كيلاني ( 1897 – 1959 ) الذي يعتبره ادباء الاطفال اليوم الاب الشرعي لادب الاطفال في اللغة العربية . . " ( نفس المصدر ، ص33 ) .

اذن ان اولئك الادباء والمربين وضعوا حجر الاساس لادب الاطفال العربي الحديث . ثم ان اهتمام ادباء وشعراء الكبار بالكتابة للاطفال مثل احمد شوقي وزكريا تامر وغيرهم لم يكن كافيا لنقول ان لدينا تقاليد وتجربة في الكتابة للاطفال .

نستطيع القول فقط ان تلك المحاولات الفردية في ذلك الوقت قد تكون اوجدت مناخا مناسبا في الخمسينات والستينات لزيادة الوعي التربوي والاهتمام بضرورة رعاية ادب الاطفال .

اما العملية الاحصائية لهذا الموضوع فهي تدل على انه : " ومهما بلغ عدد الكتب التي اصدرت خلال السنوات الماضية ، فهي قليلة جداً اذا قورنت بنسبة عدد الاطفال العرب القادرين على القراءة والذي بلغ عام 1970 حوالي 32 مليون طفل دون سن الخامسة عشرة ، وهم بحاجة الى ما لا يقل عن 1500 كتاب كل سنة باثنين وثلاثين نسخة " ( هادي نعمان الهيتي ، ادب الاطفال ، ص288 ) . قد تكون هذه الاحصائية صحيحة لفترة السبعينات ويظهر انها صحيحة ايضا لفترتنا اليوم . فمع ان احدا لا يشك في القفزات الهائلة التي مر بها ادب الاطفال من الناحيتين الكمية والنوعية في العقدين الاخيرين فاننا نشك في ان تكون هذه القفزات ملأت النقص الكبير في هذا المجال .

هذا من جهة ، اما ما نريد ان نطرحه هنا فهو ضرورة الفصل بين النقاش الاكاديمي حول ماهية ادب الاطفال ، نظريته ، مقوماته واهميته الفنية والتربوية ، وبين ضرورة وجوده وتشجيع الادباء المبدعين في هذا المجال على ضرورة الكتابة وعلى ضرورة رعاية كتاباتهم وطباعتها ونشرها . ومن جهة اخرى يجب ان ننوه هنا الى ان التمييز بين الدراسات الاكاديمية وبين الكتابة الابداعية هي امر ضروري .

ولا اظن ان احدا يشكك في اهمية ادب الاطفال كحق اساسي للاطفال علينا ، نحن المهتمين بهذا المجال : " ادب الاطفال يتيح الفرصة امام الاطفال لتحقيق الثقة بالنفس وروح المخاطرة في مواصلة البحث والكشف وحب الاستطلاع ، والدافع للانجاز الذي يدفع للمخاطرة العلمية المحسوبة من اجل الاكتشاف والتحرر من الاساليب المعتادة للتفكير والميل الى البحث في الاتجاهات الجديدة . . " ( د. حسن شحاته ، ادب الطفل العربي ، ص 12 ) .

واخيرا نريد ان نؤكد هنا ، قبل النقاش في التساؤولات المطروحة ، حقيقة اننا من ناحية اولى نتأثر بما يجري على الساحة الغربية في موضوع ادب الاطفال وخاصة في دراسات هذا الموضوع . اما من الناحية الثانية فاننا نؤكد ميزات مجتمعنا الخاصة والتي تختلف عما يجري في ادب الاطفال العربي : " ان ما بين ايدينا من دراسات لموضوع نمو الاطفال هوثمرة بحوث العلماء الاجانب في بيئات غير بيئاتنا . وعلى اطفال يختلفون عن اطفالنا اختلافا كبيرا في نواح منها : انواع البيئات الاجتماعية وألوان التراث الثقافي الذي يكتسبه الافراد من مجتمع له تقاليده وعاداته ودياناته واتجاهاته .. " ( احمد نجيب : ادب الاطفال – علم وفن 1991 . ص38 ) .

لا مانع اذن ان نستمر بترجمة الاداب العالمية ، مثلما فعل رواد ادب الاطفال العربي، ولا مانع ان نستعمل الادوات العلمية ونستغلها بغية الاستفادة منها في اثراء ادب الاطفال- النصوص والدراسات .





3 – ادب الاطفال وادب الكبار



لم يهتم المجتمع العربي في العصور السالفة بالطفل والطفولة وذلك لاهتمامه منذ العصور الوسطى بمواضيع كونية فلسفية ودينية . اما بالنسبة للادب بشكل عام فقد تركز في اطار ادب الكبار فقط . وفي العصور الحديثة كان الوطن العربي محتلا ومستعمرا مما جعل مفكريه وادباءه يصبون جل اهتمامهم بمقاومة الاستعمار وبمواضيع بعيدة كل البعد عن الطفل وعالمه . واما ما هو مشترك للمجتمع العربي والمجتمعات الاخرى التقليدية هو كون الطفل بعيدا عن مجال اهتمام الكبار لظنهم بأنه مخلوق صغير ناقص العقل والتجربة والمعلومات ، هذا مما جعل نظرة المجتمع العربي الى ادب وادباء الاطفال نظرة استخفاف واستهانة . ولم يحظ ادباء الاطفال بالمركز المرموق ذي الاهمية التي حظي بها ادباء الكبار .

لا ادري حتى ان كان هنالك مجال للتساؤل حول وجود ادب اطفال ، منفصل ومتميز عن ادب الكبار ، فالتساؤل الذي يثيره الدكتور احمد هيبي مخطوء بصيغة طرحه : " هل هنالك ادب اطفال منفصل ومتميز عن ادب الكبار ؟ " ( " الاتحاد " ، 21\1\1996 ) .

ان مرحلة الطفولة هي مرحلة مختلفة نوعيا عن المراحل المتأخرة . فهي لا زالت في طور التكوين والنمو – وهذا ما يميز احساسهم ، تفكيرهم ، لغتهم ومهارتهم : " ان طبائع الاطفال تختلف عن طبائع الكبار . فمراحل النمو التي يمر بها طفل لها دراجات مختلفة في كل مرحلة . وذلك يتصل بالنمو اللغوي ، العلمي ، العاطفي والفكري . ضف الى ذالك المستويات البيئية ، الاجتماعية والاقتصادية . . " ( احمد نجيب – علم وفن 1991 ) .

ولا يعقل بطبيعة الحال الا يتميز ادب الاطفال عن ادب الكبار ولو لهذه الأسباب الطبيعية والنفسية والعقلية . فلكل مرحلة من مراحل النمو ما يناسبها عقليا ، جسميا ، لغويا وعاطفيا . ولا يمكن الخلط العشوائي في مثل هذه الامور التي من شأنها ان تؤثر على التقاليد القرائية للطفل . وقد صنف " بياجيه " وتلامذته هذه المراحل حسب مراحل اساسية بهذا الشكل :

1- مرحلة الطفولة المبكرة ( 3- 6 ) سنوات .

2 – مرحلة الطفولة المتوسطة ( 6 - 8 ) سنوات .

3 – مرحلة الطفولة المتأخرة ( 9 – 12 ) سنة .

4 – مرحلة المثالية او الرومانسية ( 12 – 15 ) سنة .

وتتميز كل مرحلة بطبائع خاصة في كثير من الاحيان باختلاف الافراد والبيئات والمجتمعات . فالمرحلة الاولى يسميها البعض مرحلة الواقعية والخيال المحدود ، والتي لا تزال فيها القيم غير واضحة بالنسبة للطفل . فتلائمها القصص التي تأخذ فيها الحيوانات والطيور وحتى الجماد دوراً فعالا . انها مرحلة التفكير الحسّي والصوري .

اما المرحلة الثانية فهي مرحلة الخيال المتحرر حيث تزداد فيها لدى الاطفال الخبرات الذاتية في المحيط الذي يعيشون فيه . ولهذا تلائمها قصص الخرافات والقصص الشعبية ، ولا تزال الحيوانات والجماد تأخذفيها دوراً رئيسيا .

اما مرحلة الطفولة المتأخرة فتتميز بالرغبة في المغامرة والتجربة الذاتية . وهنا تأخذ الجماعة دور الفرد وللعلاقات الجماعية دور فعال فيها . اذن تلائمها قصص الصداقة

الوفاء ، الخيانة والحسد ، المشاجرات ، المخاطرة والبطولة .

اما من ناحية اللغة فلا مجال هنا في تحليل اهميتها في مراحل نمو الطفل ( راجع في هذا المجال بحثا مفصلا للدكتورة ليلى احمد كرم الدين : اللغة عند الطفل ، معهد الدراسات العليا للطفولة ، جامعة عين شمس 1993 ) .

اذن ، ان هذا التمييز العقلي والعاطفي كاف لان نفصل ونميز ادب الاطفال عن ادب الكبار .

ام ما جاء به الدكتور هيبي ليدعم فرضيته فهو مخطوء منهجيا . يقول الدكتور هيبي : " في لقاء كتاب الاطفال اياه وتحت ضغط الاسئلة المطروحة ، ألهمني الله القول في واحدة من اندفاعاتي غير المحسوبة ، انه لا يوجد هناك ادب اطفال متميز عن الادب العام " .

نقول للدكتور هيبي ان الكتابة للاطفال هي ابداع تماما مثلما هي الكتابة للكبار . وبأنه فعلا اندفع اندفاعا غير محسوب . والدكتور هيبي باندفاعاته المذكورة وبمقالته المذكورة يثبت انه اديب مبدع وبأنه يطرح اسئلة مثيرة مهمة جديرة بالنقاش . والنقاش نوعان ، نقاش الأكاديمين ونقاش المبدعين ، واذا اردنا تصنيف اندفاعاته ومقالته فنضعه في الصف غير المنهجي .

فعلى سبيل المثال ايضا يقول الدكتور هيبي : " هل يصح للبالغ ان يكتب للطفل ؟ وما ادرى الكاتب باحساسات الطفل ، وبعلمه وبذوقه ؟ ان الامر يشبه الى حد ما ان يكتب كاتب رجل ادبا ينضوي تحت اسم " الادب النسائي " .... " .

هنا نستغرب هذه التساؤولات المطروحة والتي من المفروض ان تكون الاجابة عليها امرا واضحا ومعروفا . لان هذا يقودنا الى كل جيل والى كل مهنة والى كل جنس . كأننا نقول : هل يحق للكاتب الاكاديمي ان يكتب عن العمال او الفلاحين . وهل يحق للكاتب المسن ان يكتب عن الشباب ؟ وهل يحق للكاتب الشاب ان يكتب عن المسن؟! وهذه ستصبح كقصة " ابريق الزيت " ، والاجابة عن هذه الاسئلة لا مجال لذكرها ابدا لانها مفهومة ضمنا .

لكن هذا الطرح العفوي البريء من شأنه ان يبعث بنا الى فلسفة الطرح الادبي من الناحية الانسانية في الحضارة البشرية في اطار التساؤل : لماذا نكتب ؟! وهذا السؤال الصعب ، الذي يجب تصنيفه بمعزل عن " النوع الادبي " ( جانر ) . لان ادب الاطفال هو نوع ادبي اخر والذي يتميز عن الادب الشعبي الذي هو نوع ثالث . فهذه العملية هي عملية طرح تصنيفية . انها تصنف الادب . وجميع هذه الانواع هي في اطار ما اتفق عليها تحت عنوان : الادب . واذا كان النص ادبا جيدا فقد يصلح للكبار وقد يصلح للصغار . قد يصلح للرجال وقد يصلح للنساء . وقد يصلح للعمال والفلاحين ، وهكذا دواليك .

للادب الشعبي ، مثلا ، مقوماته وخصوصياته . للادب الكلاسيكي مقوماته وخصوصياته . ولادب الاطفال ايضا مميزاته . وهل في ذلك تناقض ؟ ! وقد ادعم ما ورد في مقالة الدكتور هيبي بأشياء اكثر من ذلك لو انه طرحها بالشكل الصحيح ! فعلى سبيل المثال قد يقرأ الطفل القرأن الكريم ولن يفهمه . ولكنه قد يستمتع بقدسية ايقاعه ورثمه . وقد يقرأ قصيدة لمحمود درويش وادونيس دون ان يفهمها ، وبالرغم من ذلك قد يستمتع بايقاعتها وبأجوائها . وقد حدث ذلك فعلا خلال البرنامج التلفزيوني الذي اقوم بتقديمه مع الاطفال ، ان طفلا في الثامنة من عمره جاء لاحدى الحلقات بمجموعة شعرية لتوفيق زياد وقرأ منها القصائد ، ووجدته يتمتع بقراءتها كما لو انه كان شابا . ويحدث ايضا اننا نحن الكبار قد نستمتع بقراءة نصوص ادبية كتبت خصيصا للاطفال ! فهل في ذلك تناقض ؟ ! وهل يمنع ذلك من وجود ادب الاطفال بمنعزل متميز ذي خصائص ومقومات تختلف عن تلك التي يتمتع بها ادب الكبار ؟ !

ان المقام المشترك للنوعين – ادب الصغار وادب الكبار – هو ما يورده الدكتور هيبي في مقالته ، دون ان يعي ذلك : " لقد كان يكفي تغيير ما ، في حجم الكلمات ، أو في ضغط النص بدون تغيير جوهره أو معناه العميقين في جعل هذه النصوص تصلح ان تكون نصوصا يستطيع الولد ان يقرأها ويتمعن في معناها وموسيقاها ..." .

وهل التغيير في حجم الكلمات وضغط النص والاسلوب هو شيء قليل ؟ ألا يعاني الادباء في استحضار الكلمات وفي تكثيف النص ، وفي بلورة الاسلوب وتهذيبه ؟ ماذا بقي في النص ؟ المضمون ؟ ! وهل في المضمون ابداع ؟ ! أليس الابداع في الكلمات وتراكيبها . وفي الجمل اللغوية والاسلوب ؟ !

ثم يعود الدكتور هيبي وينتبه الى الخطأ الاساسي في الطرح وليس في النظرية : " ينبغي ان نحدد ان عالم الاطفال هو عالم مثله مثل عالم الكبار ، مسكون بهواجس الحب والخوف والكراهية والمبالغة والصراع ، وغير ذلك من المشاعر الانسانية ! ... " .

هنا يكمن الخطأ الجوهري . فالهاجس والحب والخوف والكراهية والصراع ، هذه المشاعر الانسانية هي فعلاً أساسية .











































الجدارية ، والحدّ الأدنى لحوارية الإدراك والحسّ .

دراسه في ما بعد الحداثة – لشعر محمود درويش



بقلم : د. نعيم عرايدي .



" ... وانظر نحو نفسي في المرايا :



هل أنا هو ؟



هل أؤدي جيداً دوري من الفصل



الأخير ؟



وهل قرأت المسرحية قبل هذا العرض ،



أم فُرضت عليّ ؟



وهل أنا هو من يؤدي الدور



أم أن الضحيه غيّرت أقوالها



لتعيش ما بعد الحداثة ، بعد ما



انحرف المؤلف عن سياق النص



وانصرف الممثل والشهود ؟ "

( جدارية ، ص24 ) .



الجدارية هي مرحلة تالية لتأملات محمود درويش في الحياة . تلك التأملات التي تحاول بوسائلها الإبداعية أن تجد صيغاً غير مألوفه لحوار الإنسان مع نفسه ، مع الطبيعة ومع الخالق ، وذلك بوضعه محوراً تدور حوله التناقضات والثنائيات ، لتشكك في جميع المناهج المألوفه التي تركز : إما على الوعي الادراكي لتقلّّل من شأن الوعي الحسي والعطفي وإما العكس بالعكس .

طبيعة اللغة البشرية في حوارية الوجود والعدم ، القبول والنفي ، الحياة والموت ، وفي أسرار الحياه المتداوله بين الفلسفه والدين والعلو والأسطورة . دور الفن والإبداع في هذا المجال ، هو تساؤل لا إجابة عليه ألا عن طريق معنى اللغه وأهدافها



إنّ جدية المناهج السابقة والمألوفه وقدسيتها تتقزم أمام العروض الجديده لثورة الإنسان على ذاته وعلى محيطه . فإن إنسان القرن الحادي والعشرين بدأ منذ أكثر من عقدين يبحث عن سلوكيات جديده : فكريه ، عاطفيه وفنيه لإعطاء الشرعيه اللازمة لمجابهة الحياة خارج الأطر التي تسيطر عليها الأقلية صاحبة النفوذ العالمي.



في هذا الاتجاه يحاول الشاعر رفض المناهج السابقه التي كانت تفصل بين البحث الفلسفسي ، البحث النفسي ، البحث الانتروبولوجي والبحث الادبي . إنه يميل إلى التأمل التعددي بالنسبة للمعرفه الإنسانية .

ومن ناحية أخرى هنالك نظرة جديده إلى اللغة بأقسامها المختلفه وبطبيعتها السابقه وكأنها تحمل قوى بمقدورها إنقاذ الإنسان من الكثير من مشاكل الوجوديه . النظرة الجديده تشكك في ذلك وتشكك من جراء ذلك كون اللغة تجسيداً للذاكرة الإبداعية . في نهاية القرن العشرين أدرك الإنسان المتيقظ أن حداثة الحضارة الغربية التي سيطرت على العالم في القرون السابقة ، وصلت إلى نهاية امكانيتها كمعيار لقدرة الإنسان على السيطره الكامله على الحياة ، ذلك الشعور الذي أعطى المنتمين له الثقه بالنفس والتفاؤل والطمأنينة . هذه الحقبه الفكرية والعقائديه تنتهي بالإنسان الجديد إلى مرحلة الانفصال والتفكك .

من هنا أصبحت الحقيقة في معزل عن الموضوعيه الممكنه بواسطة الوعي الإدراكي الذي كان يُظنّ بأنه هو الطريق إلى السعادة . والحقيقة الأن تنتقل من المركز الواسع إلى المحلية النسبية والأقليمية . وهنا ينقل الإنسان من دور " المفكر " إلى دور الممثل ، ويروض اللغة من وظيفتها الوصفية العلميه إلى أداة لعب ساخرة .

اللغة والكلام لم تفلح في العصر الحديث أن تكون أداة لاكتشاف الحقيقه : يقول ميشيل فوكو في هذا المجال : " لا يمكن توجيه اللغة أو الكلام لصدّ النسيان ، بل من شأنه أن يخلق الفروق ، وعلينا إذن أن نكون ناقدين لتاريخ هذه الفروق . اللغة إذن لم تعد مقدسة ، لا اللغة العربية الفصحى ، ولا اللغات الادبيه الاجنبيه . في مجال الادب دخلت إليه مفردات شعبيه يوميه ، وأصبح كل إنسان يفهم اللغة المكتوبه ( انظر لغة الصحافه مثلاً ) . وهذه السلوكيات الشعبيه اليوميه التي رفضت الأطر الادراكيه ، وأفرغت الرموز من قدسيتها ، والتي أخذت تقزّم الماضي والتاريخ – جعلت لحاضرها حضوراً فاعلاً ولفتت الانتباه إلى أن المزاج اليومي هو معيار كل شيئ .

بهذا الحاضر – حاضر الحياة الهشة ، وبغياب الحقيقة التي تكمن وراء الحياه

( الموت كحياة أخرى) أخذ الانسان الجديد يشكّك في كلّ النظريات العقلانيه التي لم تجلب له السعادة ولم تؤمّن له السلام والطمأنينه ولم تؤكد له المستقبل على ضوء الحتمية التاريخيه .

الذاكرة أصبحت نصّاً مجازياً للتاريخ . وللتاريخ نصوص مختلفه ، جمله من الحقائق المتعلقه بسياقاتها . ومن الممكن تلخيص هذه الأزمات الثائرة على العصر الحديث

( الحداثه ) بثلاثة عوامل اساسيه :



1- أزمة التحضر – الانسان الجديد لم يعد يؤمن بأنه الوريث الشرعي للانسان

" المتنور " والمثقف الذي يعمل في مشروع التحرير السياسي والاجتماعي .



2- أزمة اللغة – لم تعد اللغة أداة تمثيليه تفويضية تستمدّ قواها من قدرات ما وراء الطبيعة ، بل أصبحت أداة استعراضية تؤدي مهامها بأشكال مجازيه .



3 – أزمة التدريج – ما كان متبعاً في الفكر والفلسفه الحديثه أن هنالك تدريجا وتسلسلاً في المعرفه والفكر والفلسفه ، فإن الانسان الجديد يحرر نفسه من هذا التسلسل التدريجي ويطلق حرية التفكير والنهج والايمان .



وهكذا فقد ذهب الإنسان الجديد في هذه المرحلة ما بعد الحداثة ، للتخلص من الحداثه بطريقتين :

1- اكتشاف محدودية العالم .

2 – اكتشاف العالم بأنه مكان لم تعد فيه الصيانه الذاتّيه سارية المفعول .

هذان العاملان هما أساسٌ لفكر الحداثه الذي يحاول الانسان الجديد زعزعتهما ، وهما في الاساس العناصر التي يعتّمد عليها العلم الحديث في فيزياء جاليليو ونيوتن .

هذه الفيزياء التي وضعت قانون صيانة الطاقه وصيانة الذات داخل عالم لانهائي . إن الروح المجازيه لهذا القانون الفيزيائي كانت ولا تزال تهيمن على الانسان الحديث ، ومن الناحيه الفلسفية هي التي أوجدت فكرة صيانه الهويه الذاتيه . وعلى المستوى الجمالي الفني هي التي ثبّتت استقلال الفن وعلم الجمال .

لكن العالم اليوم أصبح في شك كبير لصيانة الطاقه وسببية التاريخ وحتمية القوانين الفيزيائيه . العالم يسير نحو فقدان الطاقه إذن ، إن ما وعد به الإنسان " المتنور " ابن الحضارة العلميه والتكنولوجيا المتطوره ، يصبح هو الأخر نصّا مجازياً من مجموعة نصوص أخرى مختلفه ومتنوعة .

إذن ان الإنسان الجديد يريد أن يدخل في تجربة الإمكانيات الاخرى الواردة والذاتيه للإنسانيه ويريد إعادة النظر في كل النصوص التي وضعها الإنسان الحديث بمثابة قوانين مقدسة لا يمكن تفاديها . يجب إعادة النظر في التاريخ والفكر والعلم وكل المناهج . الحقيقة لم تعد شكليه ومؤطرة ومعلومه وثابته .

تجدر الأن قراءة جديده للإنسان ، لنفسيته ، لعواطفه ولإدراكه أبعد مما وضعه فرويد. إن أسطورة التفكير الشكلي المنسق والمنطقي ولّت . أحد الباحثين والمفكرين الجدد يقترح ثلاثة مسارات هي أولاً سخرية نيتشه وضحكه ، حنين هيدغر وجدارية دريدا ، هذه هي المسارات التي ستضع الإنسان الجديد في موقف يخلصه من إرهاب الحقيقه الشكليه الماورائيه ، ومن أساليب السعادة المنبثقه عنها .

صحة الإنسان وكرامة الصحه هو الأساس الأول . يقول نيتشه إن الإنسان هو الذي اخترع السعادة ( هكذا تكلم زرادشت ) :

" والحق أن من البركه لا من اللعنة أن نعلم بأن فوق كل شيئ تمتد سماء الصدفه وسماء البراءه وسماء الإضطراب "

هذه الاشعارات تبث عكس الاتجاه للنظام الذي يقف في مركزه " خطاب السعاده " . الهوّة هي عكس سماء الماورائيه العاليه ، الصدفه بدل التخطيط العلمي الموجب الذي أفلس . الطفوله البريئة الحقيقيه بدل ما كان يعتبر نضوجاً واعياً مدركا للأمور .

وهكذا بالنسبة للفيلسوف هيدغر إن التأمل في فلسفته يكشف المشترك بينه وبين نيتشه: حجب الثقه عن الماورائيه ( الميتافيزيا ) الغربيه وقيمها العقلانيه .

وهكذا فإن هيدغر قد اتُهم بأنه نبي العاطفيه وداعية النزعة العلميه وعدو المنطق والعلم . يقول هيدغر:

" إذا أردنا لأنفسنا أن نصل إلى مرتبة الوجود الأصيل فلا بُدّ لنا من أن نرتد إلى ذواتنا لكي نأخذ على عاتقنا مسألة وجودنا " وهنا يلتقيان الشاعر والفيلسوف – الشاعر رينيه شار والفيلسوف هيدغر في قصيدة محمود درويش :

" النظر إلى اللغة على انها وسيلة جديده كما نجد عند جان بولان وغيره حيث ينفرون من الأشكال البلاغيه المألوفة ... "

الشاعر الكبير رينيه شار واحد من شعراء عديدين تابعوا مغامرة السرياليين في اللغه باعتبارها كشفاً وواسطة لتحقيق نوع من التواصل الكوني . والشعر هنا يطمح إلى استبدال دراسة سيكولوجية الإنسان بذهول هذياني غنائي في طبيعته . وقد صار الشعر في بعض الحالات بديلاً عن الروحانيات . إنه يعبّر عن الحاجه الدائمة إلى الحرية وبذلك يتخطى الحدود الادبيه السيكولوجيه . فالأقاليم التي عاشها هؤولاء الشعراء ليست سيكولوجيه ، إنها أقاليم العنف والعبث والسخريه . ( عصر السرياليه، تأليف فاولي ، ترجمة د. خالده السعيد ) .











































2 – حوار الموت.



الموت ، ادراك الموت هو نقطة الضعف البشرية . إن الإنسان يرى في الموت تناقضاً لقوانين الإدراك والوعي . إن هذا التناقض المدرك وضع الإنسان منذ بداية الحضارة البشرية في ثنائية مزدوجة بين رغبة المعرفه المعاكسة وهي التنازل عن هذه المعرفة التي تقود الإنسان إلى ادراك الموت .

المأساه البشرية تتضح عندما يدرك الإنسان بعقله الواعي أن هنالك هوّة بين قوانين الوعي وبين قوانين الطبيعة . هنا أوجد الإنسان القديم مصطلح " الجبرية"

بمعنى أن الطبيعة عمياء ولا تعمل حسب قوانين الوعي والإدراك .



الديانه اليهوديه في العهد القديم تبدأ بمرحلة الوعي ، بينما الحضاره اليونانيه القديمة تختلف عنها ، فقد بدأت من المرحله الأسطورية التي رأت بالإنسان جزءاً من الطبيعة وكان الإنسان يسجد لقوى الطبيعة . فلهذا عندما لا يشعر الإنسان باغتراب عن الطبيعه فهو لا يرى تناقضاً بين قوانينه الواعيه وبين قوانين الطبيعه الجبرية .

فلهذا لم ينظر اليوناني الاسطوري إلى الموت بشكل مأساوي . فالإنسان الميت ، حسب هذه النظرة ، يستمر كمادة ، كجزء من الطبيعه ، وبموته يفقد قدرة الادراك والوعي حيث يفقد قدرة تمييز نفسه عن الطبيعه . وعندما انتقل اليونانيون القدماء إلى مرحلة الوعي والادراك ازداد اغترابهم . إن ديونزوس ، إله الطبيعه الذي كان رمزاً لتجديد الطبيعه حيث يموت ويعود إلى الحياة ، مثل ألهة اخرى في الحضارات الشرقيه القديمة : تموز وأزيريس ، أصبح رمزاً للإنسان المأساوي ، وهكذا تحولت طقوس الطبيعة ألى تراجيديات . فإن مصطلح " الجبرية " هو تعبير لاغتراب الإنسان عن الطبيعه . فإن قوانين الطبيعه العمياء لا تأبه بقوانين الوعي والادراك البشري . هذه هي الثنائيه المأساويه التي وضعت أسساً لمعاناة الإنسان بإدراكه ووعيه لها .



السيد المسيح والمسيحية التي وضع أسسها التاليه ، الرسول بولس نبتت على خلفية رفض الديانه اليهوديه لانتظار الخلاص من المسيح المنتظر . وذلك لأنها شعرت بأن المسيحيه ( التصوف ) والتنازل عن الادراك والوعي هي ما يناقض أسس الديانه اليهوديه .

المسيحيه الجديده لا تنكر الفرائض اليهوديه الاساسيه ، وبالرغم من ذلك فإن يسوع الناصري يمتلك قوى خارقه للطبيعه . وحتى في صلبه يصبح رمزاً للشخصيه المأساوية التي لم تستطع رغم قواها الخارقه أن تمنع الموت والصلب .



إلا إن الرسول بولس الذي استعمل المصطلحات اليهوديه ، قام بإعطائها مفاهيم جديده تتناقض مع اليهوديه . إن تضحية الانسان لأجل الله أبطلت في الديانه اليهوديه منذ تجربة سيدنا ابراهيم ، ولهذا فقد حول بولس هذه المفاهيم إلى تضحيه لتطهير العالم من الشرّ ، هذه التضحيه الإلهيه نفسها وليست التضحيه البشريه .



الإنسان المأساوي الحديث هو وليد الحضاره الغربية والتي تعتبر مزيجا من الحضارتين : اليهوديه واليونانيه . ومع حركة الإصلاح الديني في اوروبا انهارت اسطورة التضحيه الإلهيه ، وهكذا عادت التراجيديا إلى الحضارة الغربيه مباشرة بعد حركة الاصلاح ، في مسرحيات شكسبير راسين وكورني .



إن الخلفية الثقافيه التي تجابه فيها " جدارية " محمود درويش واعية لهذا الحوار التاريخي والفلسفي بين الإنسان والطبيعه – بين الوعي البشري وقوانينه بصراعها مع قوانين الطبيعة التي تحتمّ الموت . لكن حوار درويش مع الموت لا يشبه أيّا من هذه الحوارات المدونه شعراً ونثراً لدى الفكر الغربي أو اليهودي :



" ... ولدنا



في زمان السيف والمزمار بين



التين والصبار . كان الموت ابطأ .



كان أوضح . كان هدنه عابرين



على مصب النهر . أما الأن ،



فالزرّ الالكتروني يعمل وحده . لا



قاتل يصغي إلى قتلى . ولا يتلو



وصيته شهيد ُ " ص19 .



هذه نظرة عامة على الموت . الشاعر يتكلم بصيغة الجمع ، مما يبعده قليلاً عن موضوع الموت ، وكأنه يُعطي فكرة عامة وموضوعيه تميز بين نظرة الحضاره العربيه وبين نظرة الحضاره الغربية الحديثه عن الموت . السيف والمزمار ، التين والصبار هي رموز توحي بأجواء القريه العربيه ، الحياه والحضارة العربيه . ومن الصعب هنا استيعاب نبرة التعبير ، إن كانت ساخرة أما كانت موضوعيه ، لأن الموت البطيئ هو أصعب أنواع الموت ، بينما الموت السريع ( بالزرّ الالكتروني ) هو محاولة لتخفيف الام الموت النفسيه والجسديه على المحكوم عليه بالموت . ولكن التناقض سرعان ما يتضح بلغة المجاز المستعمله هنا : " كان هدنة عابرين \ على مصب النهر " بينما في الحضارة الحداثه :

" لا قاتل يصغي إلى قتلى . ولا يتلو \ وصيته شهيد " .

إذن قد تكون هنا سخرية مريره هادئه ولاذعة . لكن كما قلنا فإن هذه الأجواء الساكنه لإدراك الموت هي تعبير عام وموضوعي إن صح القول ، للموت . ويسبق هذا التعبير ما يلي :



" ستسقط نجمة بين الكتابة والكلام

وتنشر الذكرى خواطرها : وُلدنا

..." ص18



إن النص هنا يفرض ايحاءات تعتمد من ناحيه على ذاكرة الإنسان الجماعيه ، ومن ناحية أخرى تلفت النظر ألى ذاتها في تناقضها الكبير بين الكلام المحكي والكلام المكتوب .

لقد فضّل " سوسيير " الكلام على اللغة المكتوبه ، لأنها أقرب ألى التعبير الحقيقي لدى الإنسان . وهذا ما عارضه " دريدا " لأنه يرفض فكرة كون النص المكتوب وكأنه شيئ ثانوي وأقل أهمية من اللغة المكتوبه .

إن هذه التناقضات التي يحاورها درويش في جداريته حول مفهوم اللغه ومدى قدرتها على التعبير عن حقيقة الانسان وحقيقة حياته ومدى مجابهته هذه الحياه في ظل الموت تجعل من هذا التحليل للجدارية نصاً ناقصاً . وبالرغم من ذلك فإننا نحاول في بعض الصور الوصول إلى شيئ ما من الحوارية ومدى تقديمها للإنسان العربي وللحضاره العربيه أساساً حضارياً جديداً في نصّ من الجماليه الادبيه .



إن سقوط النجم في الحضاره العربيه الشعبيه يعني موت إنسان ، والتعبير عنه شعبياً هو تعبير شفوي كلامي . أما التعبير ذاته في الحضارة الغربيه فهو للأمنيه.

فالإنسان يؤمن أنه لو استطاع ان يتمنى شيئاً قبل سقوط النجم ، فإن هذه الأمنيه تتحقق .

هذه التعابير ( النصّيه ) تنتج نصاً يلعب بإمكانياته المتعدده ويصبح تجربة ذاتيه لحوارات بين نصوص متعدده ، مختلفه واحيانا متناقضه . إن هذه الدرجات المختلفه لوجود الحواريات بين النصوص المتعددة هي التي تبني التناص والتضمين لنص جديد يحتوي على رموز تتحرك في فضاء هذا العرض المتناقض للكتابه .



" ورأيت ما يتذكر الموتى وما ينسون ...



هم لا يبكون ويقرأون الوقت في

ساعات ايديهم . وهم لا يشعرون



بموتنا ابداً ولا بحياتهم ... " ص27 .



إن الفعل رأيت لا يعبر عن فعل حقيقي هنا . لا يمكن للإنسان أن يرى الذكرى والذكريات . وكم بالحري عند الحديث عن ذكريات الموتى ( راجع جان بول سارتر ودوستويقكي : ذكريات الموتى ) . فالفعل رأيت هنا يذكرنا برؤيا يوسف في سيرته كما جاءت في القرأن الكريم ، والذي رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين . إذن إنها حلم ، رؤيا ، وربما هذيان ، وهي تفسر بشكل ساذج وبريئ ما يأتي بعدها . فكل طفل يعرف أن الموتى لا يكبرون ولا يشعرون .

ولكن هنا أيضا نتذكر مفاهيم " داريدا" في علم اللغه والذي يقول إنه لا يوجد في اللغه كلمات ساذجه . إنه تلاعب بين العامل الملزم في اللغة ( من حيث قوانينها النحويه والصرفيه ) وبين امكانياتها التعدديه والايحائيه . هنا ايضاً تبدو السخريه الصامته واللاذعه ، ولكن النظره لا زالت عامه وجماعيه تجاه الموت والأموات . إنها تحذير في جزء من النص لما سياتي بعده في نص أكبر وأكثر عنفاً .

من منطلق الرؤيا التي يترجمها الشاعر إلى لغة النص الذي يتخبط بين الكلام والكتابه يأتي الشاعر إلى نقطه التحول من النظرة الجماعيه " الحياديه " إلى الموت

إلى الرؤيا الذاتيه وإلى مواجهة الموت . البدايه هي الصفر :



" الوقت صفر . لم أفكر بالولاده

حين طار الموت بي نحو السديم

فلم أكن حيا ولا ميتا

ولا عدم هناك ولا وجود ... (28 )



إن مسألة الزمان والمكان في هذه المجابهة الانسانيه مع الحياة والموت فهي من أهم قضايا الوعي الإنساني ، ولطالما أشغلت المفكرين في مجالات العلوم الانسانيه المختلفه . لقد كان السؤال دائما حول طبيعة المكان كفضاء معلوم ، هل هو كيان قائم بذاته كالماء والتراب والنارأم انه مجرد مصطلح تنظيمي الذي ينجم من العلاقات بين الأشياء في الفراغ . هكذا هو السؤال بالنسبة للزمان ايضاً . هل للزمان تجسيد مستقل أم انه هو الأخر مصطلح وهمي ينجم من جراء المسارات المختلفه للأشياء الفيزيولوجيه .

هنالك من يظن بأن للزمان والمكان كيانين مستقلين وقد تم التمييز بين المكان السفلي ( على الأرض) كفراغ موجود وبين المكان العلوي ( السماوي ) كفراغ يشغل حيزاً أكيداً .



في مقطع درويش أعلاه هنالك إعلان عن نقطة الصفر ، أي ما قبل بداية الفعل وعن نقطه اللاشيئيه في المكان والزمن وعن نقطه ما بين الموت والحياة . وهذه النقاط وهمية للغايه . لكنها تُدرك الدائريه ، أي كنهاية لفعل سابق ، بل على أساس وهمي لمسار مستقيم ، نفسي ، لبداية ما . إن الشعور باللاشيئيه في إطار الكيان العدمي

( العدم كوجود) هو إدراك عاطفي وليس ادراكا معرفيا ، لأن المعرفه لاتقنع بمثل ههذه الحاله من العدم الموجود . وكأن الشاعر يريد أن يوقف الحياة لمحطة لم تكن في الحسبان من التريث ، وعرض ما هو مجبر على عرضهِ ، وليس عن طريق حلم اليقظة بل عن طريق يقظة الهذيان الحلمي . إنه حنين جبريّ إلى أوضاع نفسية تثيره عوامل اللاوعي لتحرره وتتحرر منه :



" رأيتُ طبيبي الفرنسيّ

يفتح زنزانتي

ويضربني بالعصا ...



رأيت أبي عائداً

من الحج مغمى عليه ..



رأيت شباباً مغاربه

يلعبون الكرة

ويرمونني بالحجارة ...



رأيت ريني شار

يجلس مع هيدجر



رأيت المعري يطرد نقاده

من قصيدته



رأيت بلاداً تعانقني

بأيدٍ صباحيه : ...

( ص29 – 30 )



إن هذه الصور المكتوبه شعراً تخرج من اللاوعي ، والشاعر هنا يحرره بشكل سريالي . الأخر في دور الممرضه تقول إنها حلم .

ويبدأ هذا " الحلم " بالطبيب الفرنسي الذي يفتح الزنزانه ويضرب الحالم بالعصا ، يعاونه اثنان من الشرطه . الطبيب يمثل هنا شخصية الأب الذي يحاول الابن التمرد عليه والتحرر منه نحو الاستقلاليه ، الانفراديه والفرديه . الزنزانه هي الشعور بقيود الأب \ المجتمع ، والعصا هي عصا الاب \ السلطه \ القوانين الاجتماعيه .



الصورة التاليه هي صورة الأب الملطفه . الأب ، رغم انه يعود من إداء فرضية الدين \ القانون المجتمع ، والتي يمثلها الاب ، إلا أنه يغمى عليه ، حيث يشعر باستسلامه ، حسب الرغبه المكبوته لدى الابن المتمرد ، ويطلب من الملائكه أن تطفئه – هي استمرار لرغبة الابن المكبوته ، والتي يحررها الحلم \ الهذيان بشكل ملطف .

الشباب المغاربة يتنافسون بالكرة ويرمون بالحجارة الخطيئه . عند اطفاء الأب يشعر الابن بالإثم والخطيئه فيخاف أن يرجم بالحجارة لأنه سرق الأم ( راجع عقدة اوديب) .

رينيه شار أخر الشعراء السرياليين وهيدجر كبير الفلاسفه الوجوديين الذي مهد لما بعد الحداثه يشربان النبيذ ولا يبحثان عن الشعر . إن شرب النبيذ يذكر بيسوع المسيح الذي تمرد على الديانه اليهوديه التي تعتبر في منزلة الاب .

أما الاصدقاء الثلاثه المنتحبون فهم ثلاثه أصدقاء ايوب الشخصيه التراجيديه . والمعري هو شيخ المتمردين الذي يرفض من خلال شعره اتهامه بالزندقه ، هو الأعمى الذي يبصر ما لا يبصر ذوو العيون .

ويقفل الشاعر حلمه بالانتصار وهو العوده إلى الأم : " أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي ..." العوده إلى الأرض الأم ; " وتنور الأم هنا هو رمز واضح للأنوثه التي تعانق الابن المتمرد الذي يريد أن يستقل وينفرد ويتفرد .

" الجدارية " هي المؤشر \ الرمز الخالص ، مؤشر المؤشرات ، أو رمز الرموز ; هذا الرمز الذي لا يمكن تجزأته ولكونه رمزاً خالصاًإنه يمثل العدم والانفراديه أو التميز . ولكونه كذلك فإنه لا يوجد في مكان أو في زمان ، ولهذا فهو ثابت بمعنى انه حضور حقيقي ثابت .

أن الشخصيات ، أو الأفكار أو العاطفه التي تحيط بهذا الرمز الخالص لتدرك وجوده ولتحركه ، إنها تتصرف حسب حضوره هو ، وهو الذي يقرر سلوكيات الغير . الانسان المأساوي هو الإنسان المتمرد ، يتمرد ضد شخصية الأب \ الإله الذي يقيده بسلاسل الموت المرعب .

ايوب ، في العهد القديم ، يرمز إلى هذا التمرد . إنه لا يريد أن يتحمل هذا العبء الثقيل الذي يفرضه الوعي والإدراك والذي يفرض على الإنسان الطاعة لقوانين الاب \ المجتمع \ الدين . إن سيدنا ابراهيم وابنه يطيعان الرؤيا والأمر الإلهي ولا يتردد أ

samar
متميز
متميز

عدد المساهمات : 922
تاريخ التسجيل : 13/03/2010
الموقع : www.saad-kindergarden.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى